عبد الرحمن السهيلي

123

الروض الأنف في شرح السيرة النبوية

الدين ، وشتمت الالهة ، وسفّهت الأحلام ، وفرقت الجماعة ، فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك - أو كما قالوا له - فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت إنما تطلب به الشّرف فينا ، فنحن نسوّدك علينا ، وإن كنت تريد به ملكا ملّكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجنّ رئيّا - فربما كان ذلك ، بذلنا لك أموالنا في طلب الطبّ لك حتى نبرئك منه ، أو نعذر فيك ، فقال لهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم : ما بي ما تقولون ، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم . ولكنّ اللّه بعثني إليكم رسولا ، وأنزل علىّ كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا ، فبلّغتكم رسالات ربى ، ونصحت لكم ، فإن تقبلوا منى ما جئتكم به ، فهو حظّكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علىّ أصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم ، أو كما قال - صلّى اللّه عليه وسلم - قالوا : يا محمد ، فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك ، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا ، ولا أقلّ ماء ، ولا أشدّ عيشا منّا ، فسل لنا ربّك الذي بعثك بما بعثك به ، فليسيّر عنا هذه الجبال التي قد ضيّقت علينا ، وليبسط لنا بلادنا ، وليفجّر لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق ، وليبعث لنا من مضى من آبائنا ، وليكن فيمن يبعث لنا منهم : قصىّ بن كلاب ، فإنه كان شيخ صدق ، فنسألهم عما تقول : أحقّ هو أم باطل ، فإن صدّقوك ، وصنعت ما سألناك ، صدّقناك ، وعرفنا به منزلتك . . . . . . . . . .